ابن حجر العسقلاني

396

فتح الباري

وأخير وشر وأشر بمعنى ولكن الذي بالألف أقل استعمالا ويحتمل أن يكون المراد بالناس من ذكر من الطائفتين المتضادتين خاصة فإن كل طائفة منهما مجانبة للأخرى ظاهرا فلا يتمكن من الاطلاع على أسرارها إلا بما ذكر من خداعه الفريقين ليطلع على أسرارهم فهو شرهم كلهم والأولى حمل الناس على عمومة فهو أبلغ في الذم وقد وقع في رواية الإسماعيلي من طريق أبي شهاب عن الأعمش بلفظ من شر خلق الله ذو الوجهين قال القرطبي إنما كان ذو الوجهين شر الناس لان حاله حال المنافق إذ هو متملق بالباطل وبالكذب مدخل للفساد بين الناس وقال النووي هو الذي يأتي كل طائفة بما يرضيها فيظهر لها أنه منها ومخالف لضدها وصنيعه نفاق ومحض كذب وخداع وتحيل على الاطلاع على أسرار الطائفتين وهي مداهنة محرمة قال فأما من يقصد بذلك الاصلاح بين الطائفتين فهو محمود وقال غيره الفرق بينهما أن المذموم من يزين لكل طائفة عملها ويقبحه عند الأخرى ويذمل كل طائفة عند الأخرى والمحمود أن يأتي لكل طائفة بكلام فيه صلاح الأخرى ويعتذر لكل واحدة عن الأخرى وينقل إليه ما أمكنه من الجميل ويستر القبيح ويؤيد هذه التفرقة رواية الإسماعيلي من طريق ابن نمير عن الأعمش الذي يأتي هؤلاء بحديث هؤلاء وهؤلاء بحديث هؤلاء وقال ابن عبد البر حمله على ظاهره جماعة وهو أولى وتأوله قوم على أن المراد به من يرائي بعمله فيرى الناس خشوعا واستكانة ويوهمهم أنه يخشى الله حتى يكرموه وهو في الباطن بخلاف ذلك قال وهذا محتمل لو اقتصر في الحديث على صدره فإنه داخل في مطلق ذي الوجهين لكن بقية الحديث ترد هذا التأويل وهي قوله يأتي هؤلاء بوجه وهؤلاء بوجه ( قلت ) وقد اقتصر في رواية الترمذي على صدر الحديث لكن دلت بقية الروايات على أن الراوي اختصره فإنه عند الترمذي من رواية الأعمش وقد ثبت هنا من رواية الأعمش بتمامه ورواية ابن نمير التي أشرت إليها هي التي ترد التأويل المذكور صريحا وقد رواه البخاري في الأدب المفرد من وجه آخر عن أبي هريرة بلفظ لا ينبغي لذي الوجهين أن يكون أمينا وأخرج أبو داود من حديث عمار بن ياسر قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم من كان له وجهان في الدنيا كان له يوم القيامة لسانان من نار وفي الباب عن أنس أخرجه ابن عبد البر بهذا اللفظ وهذا يتناول الذي حكاه ابن عبد البر عمن ذكره بخلاف حديث الباب فإنه فسر من يتردد بين طائفتين من الناس والله أعلم ( قوله باب من أخبر صاحبه بما يقال فيه ) قد تقدمت الإشارة إلى أن المذموم من نقله الاخبار من يقصد الافساد واما من يقصد النصيحة ويتحرى الصدق ويتجنب الأذى فلا وقل من يفرق بين البابين فطريق السلامة في ذلك لمن يخشى عدم الوقوف على ما يباح من ذلك مما لا يباح الامساك عن ذلك وذكر فيه حديث ابن مسعود في إخباره النبي صلى الله عليه وسلم بقول القائل هذه قسمة ما أريد بها وجه الله وسيأتي شرحه مستوفى في باب الصبر على الأذى إن شاء الله تعالى وقوله في هذه الرواية فتمعر وجهه بالعين المهملة أي تغير من الغضب وللكشميهني فتمغر بالغين المعجمة أي صار لونه لون المغرة وأراد البخاري بالترجمة بيان جواز النقل على وجه النصيحة لكون النبي صلى الله عليه وسلم لم ينكر على ابن مسعود نقله ما نقل بل غضب من قول المنقول عنه ثم حلم عنه وصبر على أذاه ائتساء بموسى عليه السلام وامتثالا لقوله تعالى فبهداهم اقتده ( قوله باب ما يكره من التمادح )